الخميس، 31 يناير 2019

أ طالب الدراجي

قصة قصيرة - سؤال شائك .
......................
في عتمة الصمت ، أدرك أي مغزى للولادة والموت ، أنّني إذ أرى كل يوم رحيل هذا وذاك بما يكفي ليجعلني على يقين أن الحياة دور في مسرحية ما وعلي أن أمارس هذا
الدور ، مات أبي وكنا نعتقد أننا لا نقدر على نسيانه فنسيناه ، وماتت أمي وكذا الحال
الجميع رحل الا أنا ، أنا الذي يجب أن يعرف ماذا يجري في هذه الحياة ، ومحال أن
أدري ، لقد تجاوزت الـ 90 عاما من العمر ، فكم بقي ؟ .
قرأت كل هذا في مذكرات جدي ، كتبه بيوم ولادتي تماما إذ تصورني هكذا سأشعر
حين أبلغ الـ 90 من العمر ، وها أنا ذا أكمل الليلة الـ 90 وأنا أقرأ ما كتبه جدي عني
يوم ولادتي ، مذكراته اليومية كانت رسالة موجهة لنا نحن الخلف ، بأننا مهما فعلنا
ومهما قلنا ، في النهاية سنرى الأشياء كما لو مرت مرور الكرام ، العمر ، الحب
الصداقات ، العلاقات ، المصالح ، العائلة ، المجتمع ، كل شيء سيبدو مجرد ذكريات
مرت فحسب ، لكنني لم أرزق بذرية ، ولم أحضر ولادة ، ماتت زوجتي من 20 سنة ،
وأكملت حياتي وذلك الضوء ينبعث من مذكرات جدي يوم قرأتها للمرة الأولى بعد وفاة أبي الذي ترك لي مقتنياته ، وما زالت كلماته ترن بمسمعي ، أقرأ مذكرات أبي
كأنه يقول لي : سيمر بك ما مر بنا ، وستلحقنا كما أسلافنا ، لكنني لا أعرف لماذا
تركو ذلك لي ،لماذا أنا مختلف عنهم ولم أرزق بذرية ، فمن يكمل مشوارهذه المذكرات ؟، هل أنا شيء ما مهم في هذه الحياة ، وهل من المهم أن يكترث لي أحدهم
ولماذا يجب أن نكون مهمّون ويكترث لنا الآخرون ، وهل ينفعنا مديح بعد الموت
أو ذكر طيب ، أتراهم يراقبوننا هؤلاء الذين سبقونا الى الموت ، فهم يرصدون من
يمدحهم أو يشتمهم أو يذكرهم بخير ، أو يلعنهم ، لماذا يحرص الإنسان على أن
يخلف أثرا طيبا !!، لقد مات وأنتهى دوره ، ما ينفعه الاسم بعد مماته كي يحرص
على بقاء اسمه حيا بين الناس ، هذا الاسم الذي يسعى الكثيرون لابقائه في الحياة
بعد مماتهم ، يحرصون على أن يستمر ويكون له وجود ولو على أقل تقدير في
الحياة .
لن أكتب مذكرات أو يوميات ، هؤلاء الناس الذين عاشوا معي وسمعوا مني ورأوني
لهم الحق بنسيان ما يريدون نسيانه عني وتذكر ما يريدون تذكره ، وفي كل الأحوال
لا علم لي بعد موتي بما يجري بعدي ، ولا ينفعني ذكر ولا مديح ولا هجاء ، سأمضي
فحسب ، في تلك اللحظة التي أغمض فيها عيني عن آخر صورة في الحياة ، تلك اللحظة تُحدد ما يجري وما يحدث لي ، وحينها سأرى ما يمكنني تصوره أو فعله أو
قوله عن ما بعد الموت وعن ما قبله .
كان أبي يقول لي : أنه لم يُخطط يوما ما لبرمجة حياة الطفل الذي سيرزق به ، وأنه كان يرى أن كل مولود بمجرد أن يكتمل وعيه سيقرر ما أن كان ينزع عنه ما تربى عليه أو يبقيه ، وقد يبقي اشياء وينزع أخرى ، والأمر كله عالق في ماهية الوعي الذي
سيحصل عليه من الحياة .
وهذا بالضبط ما أنا عليه الآن ، اتسكع في الشوارع وأنظر الى الأطفال والصبية والشباب وكبار السن أمثالي ، والصورة تعطي معنيين لا أكثر ، المعنى الأول هذه سنة الحياة ، والمعنى الثاني عش حياتك فحسب ، هناك برمجة في الحياة ، نجيء فنذهب ويجيء غيرنا ويذهب ، وهلم جرا .. يجيئون ويذهبون ، حتى الغرس الذي يضعه الإنسان في حياته يتمتع به غيره أن كان فيه شيء من المتعة ، والا فهو كصاحبه
مبرمج لتستمر الحياة ، السؤال الشائك : من المستفيد من استمرار الحياة ما دمنا كلنا نجيء ونذهب .

ليست هناك تعليقات: