كتب الأستاذ الناقد يوسف عبود دراسة نقدية عن مجموعتي( إن نسيتُ ..فذكّروني )
تحية تقدير وأحترام لأخي الرائع ..
............................ ........ّ............
**(الغائبة الحاضرة في ... إن نسيتُ..فذكروني
دراسة نقدية ) *يوسف عبود جويعد*
في تجربة الشاعر أمين جياد ومن خلال مجموعته الشعرية ( إن نسيتُ.. فذكروني) ، نجد السياق الفني الذي طور الحداثة والتجريب، فيما يخص فن صناعة قصيدة النثر، من حيث، الموسيقى، الإيقاع، الإنسيابية، المفردة الشعرية الحسية الإنزياحية المعبرة بتقنية عالية، عن الرؤية الشعرية التي يرغب إيصالها الشاعر الى المتلقي، من دون أن نحس ما يعكر صفو مرافقة تلك الادوات لها، وكذلك نجد إلتزامه التام في وحدة الموضوع، وكذلك التدفق العالي المكثف لكم الصور الشعرية الإستعارية التي تصل حد حالة الوعي، والخبرة الطويلة للشاعر أمين جياد في هذا المجال ولأكثر من خمس عقود، وكذلك إستخدامه لتقنيات حديثة في هذا الفن، الذي لابد أن يكون صعباً ويحتاج الى ذهنية وخبرة وتجربة كبيرة، من أجل أن يصل الشاعر الى مرحلة النضوج في إعداد النص الشعري النثري، وأقول الشعري النثري، لأن من لا يمتلك الحاسية الشعرية النابعة من أعماق الروح، والنابعة أيضاً من تطور حركة الشعر بشكل عام، لا يمكن له أن يقدم لنا نصاً فنياً يصل الى مستوى النصوص النثرية، التي تعد الحصيلة النهائية لحركة الشعر بكل أنماطه، حيث أن الشاعر إستطاع أن يقدم لنا أنواعاً مختلفة ومغايرة من الاساليب التي تدون فيها القصيدةالشعرية النثرية، منها إستخدامه لعملية التنقيط كنص صامت تكون مهمة المتلقي إكماله ليكتمل النص، وكذلك هنالك نصوص وهي السمة الغالبة في هذه المجموعة، تنطلق من حوار يكوّن بؤرة النص، الذي يعتمد عليه النص وينطلق من خلاله لمواصلة عملية التكوين الشعري، وهي تعد الصفة التي تميز الشاعر عن سواه، وكنت أتمنى أن تذيل كل النصوص في هذه المجموعة بتواريخ إعدادها، الا أن البعض منها لم أجد فيه تذييل لتاريخ كتابتها، وكما هو معروف أن الناقد يحتاج الى تلك التواريخ من أجل تحليلها للوقوف على جوانب مهمة تخص تجربة الشاعر، كما وجدت أن أغلب النصوص في هذه المجموعة كتبت في عام 2015 ، بينما هنالك نصوص متفرقة كتبت بتواريخ 2014 و2004 و2007، وكذلك نجد بعض النصوص ذيلت بتواريخ الثمانينيات من القرن الماضي، وسوف نكتشف فيما بعد الأسباب التي تخص عام 2015، كون وفاة زوجة الشاعر عام 2007، تعد نقطة تحول جديدة تضاف الى باقي التحولات التي حدثت في مسيرته الشعرية، حيث أن هذه المجموعة الشعرية النثرية محورها المرأة من كل الزوايا، وهو قد إستحضر هذه المرأة التي شاركته حياته والتي نحس ومن خلال إطلاعنا أنها عزيزة عليه، وتركت أثراً وفراغاً كبيراً، ومسحة من الحزن في حياته، وكذلك أنها أججت فيه حالة التدفق الجديد في نصوصه الشعرية، لتكون حاضرة في تلك النصوص،لأنه تسامى بها وارتفع ليضعها في مملكة الشعر ملكة وأميرة وملاك، وحلم وخيال ونقاء وصفاء، وروح تسكنه تخاطبه وتناجيه وتحاوره، وأحياناً هي من تقود القصيدة وتقوم بمهمة تدوينها، ومن خلالها نعرف أن المرأة حاضرة في تلك النصوص ، حاضرة بكل أشكال صياغتها في الحلم، في الخيال، في الواقع، في الفراق، في الضياع، في الفقد والرحيل، وفي الحنين إليها، وفي التداعيات الروحية الحسية الشعرية النابعة من اعماق الذات، وهكذا نجد أن البناء اللغوي لفن صناعة القصيدة الشعرية للشاعر قد إستخدم فيه أدوات تكوينها والتقنيات الحديثة التي طرأت على بنيتها النصية، وهذا ما يؤكده الإهداء في ترسيخ تلك الرؤية الفنية التي إتخذها الشاعر في صياغة تلك النصوص حيث يقول:
(إلى روح زوجتي عدوية حاتم السامرائي التي كانت حُبّي الوحيد ولما يزل
إلى قمري الذي لا يغيب وجوهرة الروح إبنتي الغالية إيلاف.)
ففي قصيدة (هدهدة) نكون مع تركيبة بنيوية، تنم عن وعي كبير، كما وسوف نمر لمعرفة الحوار الذي تضمنته بعض النصوص الشعرية في هذه المجموعة، ويعد بؤرة النص الشعري:
قالت :- لي جناحان..
وريشةٌ سحُريّةٌ...
تجعْلُ النارَ نوراً..
والجبل طفلاً صغيراً...
يغفو على
هدْهدةِ الأحلام.
- - سأنتظر جناحيكِ
والرّيشة السّحْريةَ...
كي تحركَ الجبلْ....
وهو في نهاية هذا النص، لا يريد للجبل أن يتحرك، وإنما هو يقصد أن يتحرك الطفل الذي في داخله، كون الإشارة هنا بأن يجعل النار نوراً... والجبَلَ طفلاً صغيراً... بينما نجد في قصيدة (ذكرى....أساي على المدى) حضور تلك المرأة التي تتمثل بحالة الفقد والحزن، والتي رسم ملامحها الشاعر لتكون حاضرة،الا أنها تقود دفة النص الشعري، وتطوف عليه طواف الملائكة، تتفقده تناجيه تحاوره، تعيش فيه وفي داخله وفي كيانه، تداعب حاسية الشعر، تثير الحنين الدفين الذي يتدفق روافد من الوله ولوعة الاشتياق:
أنت حنيني وبكائي
الذي يتشرب بين عروقي،
انتَ كياني..
أنا مثلك عاشقة حدّ الجنون.
أتسلق جسدك الدافئ.
وأقبلُّ ما فيك
وأنا ابكي من فرط اللّذة في عينيّ
أمد يديّ الى قلبك
وأرى عينيك الذابلتين
أرى كوكبك يدور ويغطيني بضيائه الماسي
أنت تجلجلني كالرعد
واحسّك فجراً
وهكذا يطوف بنا هذا النص لإمرأة غائبة حاضرة، تتابع حبيبها وتريده معها، وتريده ألا ينساها، وهي عاشقة له بنقاء وصفاء وصدق.
ونجد في قصيدة (إن نسيتُ.. فذكِّروني) هذه الحالة، أي الشوق والحنين والحب والعاطفة والتوق الى رؤية الحبيبة الغائبة الحاضرة، تتربع في بؤرة النص، ويكون هو من يطوف حولها يناجيها بحنين جارف:
1
كيف عرفتِ
إني احبك.
2
زحامٌ من الصمت يَطُرقُ بابي...
وقلبي خشوعٌ الى حشدِ ظني..
وداري تضيءُ الدروبَ البعيدة...
خذيني وحيداً..
ولمّي ظنوني،
فوجْدي على جبهتي
بين عينيكِ،
في لهفة قاتلة..
أما قصيدة(أنتِ...لا شيء...غيركِ) والتي كتبت في عام 1987 فيقول عنها الشاعر:
القصيدة محفورة على حجر المرمر فوق قبر زوجتي عدوية حاتم السامرائي رحمها الله والتي توفيت في 16-2-2007
وهذا يعني أن هذا النص له وقع خاص في قلب الشاعر، وأهمية كونه إختاره ليكون شاهدة لقبر زوجته:
في الحلم
أكون
قريباً منكِ،
اكون
أنا الحلم،
وفي السر أكون
أنا الحلم،
وفي السرّ
أكون
بعيداً،
تحت جفونكِ،
ماذا يتبقى
من حلمي فيكِ ؟
وماذا يتبقى
تحت جفوني...... منك؟
هكذا تكون المرأة هي القصيدة، وتتمثل المرأة بصفات تلك الغائبة الحاضرة، والتي تطوف كملاك حوله، تدخل حياته، تدخل روحه، تكون الحلم، تكون الحياة، تكون هي تلك الجنة الخضراء الذي لا يجدها الا بين ثنايا الشعر. وفي قصيدة (أحجار الشاعر) يمنحنا الشاعر فرصة أخرى لنرحل بين ثنايا عالمه الحالم الحزين الدافئ، وهو يناجيها يستحضرها يضمها بين ثنايا الشعر:
1
روحكِ حياة، أعرفها
كطائر غريب..
يطرق بابي........عزّ الليل..
يحمل ماء
بين منقاره
الاحمر الجميل.....
لما تزل روحك
تضرب بجناحيها.....كالرعد...
واسمع هفيف الريش قوياً..
وهديلاً كالأنين..
2
احبكَ
قالت
وانزوت خلف حجاب
من نور .
أما قصيدة ( القديسة) فإنها تضمر بين أنساقها صرخة العاشق الذي عيل صبره، ولا مناص له سوى أن يناجي محبوبته حد الرحيل :
مثلما جاءني
غارقاً بالعذاب الجميل!
مثلما جاءني
غاضباً بالرحيل...
صار موتي وصيِّة ...
حُبنا قادنا في صحارى العذاب...
ثم نحس وكأنه يصرخ ويعلو صوته وهو يواصل تدوين هذا النص
يا رياح الرحيل
قلبي الآن......... في غمرة لا تضيء...............
وجهك الآن ....... موتي
وجهك الآن......نبضي
وجهك الآن ..........صحراء حبي .
ويكون حضورها أكثر وقعاً، ويبوح لها عندما تأتي فيجيء معها سيل جارف من الشعر ينطلق من الاعماق ليكون نصوصاً شعرية، هذا ماسوف نكتشفه ونحن نتابع قصيدة (ها أني قد أتيت) والمهداة لها، أي الى زوجته الذي اكتفى بالاشارة الى حرف واحد منها الى / ع...
في كل مرة، تظهرين مثل نفرتيتي او كيلوبلترا،
تسلل حروفكِ اليّ...
لتسجر كلماتي ضياع فؤادي بين يديك
ها اني قد أتيت ...
محملة بصولجان القداسة
وقوس الخلود، وتاج الشمس..
وتنظرين عبر قاربك الذهبي
الى الشرق..
(إن نسيت..فَذكروني) مجموعة شعرية للشاعر أمين جياد، ضمت العديد من النصوص الشعرية، التي تعكس تجربته الشعرية الممتدة لاكثر من خمس عقود،إضافة لوضوح رؤياه الفنية التي كانت تظهر بين ثنايا النصوص، ومتابعته وملاحقته لحركة تطور القصيدة الشعرية النثرية،وإستخدامه لتلك التقنيات الجديدة، إضافة لإستحضاره لادوات بناء قصيدة النثر.
من إصدارات أمل الجديدة – سورية – دمشق- الطبعة الثانية لعام 2017