الاثنين، 6 مارس 2017

أ حسين الباز

قصة قصيرة: [خسف الساعة اليدوية]

..حين توفي والدي لم أرث عنه سوى ساعة يدوية، كان ورثها عن جدي، تلقيت التعازي وكأني أتلقى التهاني، كان كل الحاضرين بالمأثم يعزونني بربت على كتفي تشجيعا، وبابتسامة عريضة تقول:

_كن رجلا..!

..كنت مترددا بوضعها في يدي، كانت سرعتها ترعبني، حزمتها بشدة، خسفت بي، غارت بسرعة البرق، خرجت إلى هذا الوقت، وجدتني مرتديا ساعة قديمة في عالم الهواتف النقالة، جلبابا في عصر البدل و روابط الأعناق، نعلا زمن الأحذية اللامعة، و بعمامة وسط تسريحات آخر موضة...

_ياه كم خسف بي الوقت...!

..قبل أن تصاعد بي الساعة إلى الأرض، مكثت بباطنها بضعة أعوام، ضاق صدري وقتئذ، لم أحس بمرور فترة الإحتجاز إلا حين ذقت حلاوة الحرية، و رأيت السماء زرقاء صافية، تحلق من حولها النوارس، هي هي لم تتغير، لم تطلها الأيادي، وحدها الأرض من تبدلت، وضعت بدل الجبال ناطحات سحاب، بدل الوديان أنقاق للمترو، للسيارات، للطائرات، مساكن للخفافيش و لورثة دراكولا...

..تحدق بي الأعين في استغراب، نفس السؤال يجول : _ من أنت؟
لم أصدق قصة رجال أهل الكهف إلا حين بعثت لزمن غير زماني،، و شعرت بنقمة الإستنكار...
حتى القواميس بي خسفت، كلما قرضت حرفا سخر منه سكان الأرض الحاليون، و ذب دوي أصوات ضجيج من جهاز مكرفون، أن لا وقت للصلاة على الميتى، أن لا جدوى منك بيننا، و بدأت الأصداء تتعالى.. تتعالى..

_الشعب يريد تغيير النظام...!

..كان موسم الخريف بزي الربيع، و بينما كنت أجول بين الأزقة، اعترض سبيلي قطاع طرق ليسوا كما أعرفهم، هؤلاء يسمون بالبلطجية، أو المشرملين، خلعوا عني جلبابي، وعمامتي و ساعة يدي القديمة، وألقوا بنعلي في رف مسجد، خسفت بهم الأرض بغتة، فقلت:

_ترى في أي زمن يبعثون؟

..وهاأني في هذا الزمن بلا رجعة، أنتظر ساعتي لتخسف بي الأرض من جديد...

_حسين الباز_

ليست هناك تعليقات: