السلطة... علي وعلى أعدائي
كان لقرار نقله وقعا كالصاعقة، نزل عليه دونما سابق إنذار، ومن دون أن يدان ولو بشبهة، او تسجل عليه أدنى ملاحظة تذكر.
أتخذ في حقه لا لشيء، إلا درءا للرماد في العيون عله، يحد من كثرة القيل والقال، الذي أضحى لسان حال الشارع.
لم يستسغ هذا القرار، وكاد أن يتبرء منه لولا، تدخل جهات نافذة في موقع القرار على ضروره الإمتثال. موازاة مع ما تمليه الظرفية من اكراهات، مما اضطر معه الى تجرعه وعلى مضض.
خرج من مكتبه وعلامات الخيبة بادية على محياه، امتطى سيارته المشؤومة عفوا الموشومة.
ساعتها وصل الى مسامعه أذان الظهر، أصيب بالحرج. تلكأ بادئ الأمر، إلا أن الشر غلب عليه، هز كتفه، وضغط على دواس السيارة بكل ما اوتي من قوه، فتناثرت الأدخنة من وراءه كعاصفة سوداء. اكتوى بنارها الحجر والبشر، لينطلق كالسهم غير آبه، بأيتها علامة تشوير إلى أن أتى على حانة.
ترجل من سيارته، وخطا بداخلها، فاحتسى ما احتسى حتى لعب الخمر بعقله.
لم يقوى على السياقة، فنودي له على طاكسي صغير، نقله مباشرة الى منزله، وتوا الى غرفة نومه.
اغلق عليه الباب، وتمدد على فراشه وأطلق العنان لمخيلته.
لم تتجرأ الزوجة أن تفسد عليه خلوته، مخافة ردة فعله التي ألفتها منه مرار وتكرار.
وقعت في حيرة من أمرها بين إقدام وإحجام، إلا أنها وبعد أن أعياها التردد، استجمعت قواها وطرقت الباب، فلا من مجيب. عاودت الكرة فلم تحصد الا الصمت المريب.
جالت الوساويس في رأسها، وبدا لها أن مكروها ما قد حل به. فلم تدري إلا وهي تقتحم خلوته، فكانت النتيجة أن ردت خائبة على عاقبيها، وبعنف دفعت خارج الغرفة، واوصد عليه الباب بالمفتاح، ليعود الى خلوته.
حز في نفسه ما آل اليه حاله الى نكرة، لا حول ولا قوة له، خارج اللعبه، وكأن أريد به أن يتوارى عن الأنظار، وراء الكواليس المكتبيه، ليموت ببطء، بعد أن كان رجل ميدان، سلطة وتسلط، صمم قلبا وقالبا، كاداة يعول عليها، وصمام أمان، لمواجهة الحدث عندما تضرب الازمة، وكذا تدبر العاصفة، وعلى كيفه ومقاسه عندما يعم ذلك السكون المريب.
اشتد به الغيض، ولم يرتضي لنفسه ان يقدم هو بالذات، كبش فداء.
...وما هي إلا كلمة منه، تلقاها تابعوه، حتى سمع دوي انفجار مهول، أضاء سماء المدينه، أتى على المكان وأهل المكان، دمار في دمار، وأشلاء جثت تناثرت هنا وهناك.
فتح تحقيق في الموضوع، فلم يسفر على شيء، إلا أنه وتهدئة للراي العام، وكالعادة، وجهت أصابع الإتهام إلى عناصر إرهابية خارجة عن القانون، تعمل في جنح الظلام، كالخفافيش على زعزعة الاستقرار والأمن في المنطقة.
تبسم ضاحكا لهذا المصاب الجلل، وفي قرارة نفسه ان استراحة المحارب، قد قربت على نهايتها، وأن المقام وراء الكواليس سوف لن يطول، وأن العودة إلى الميدان أصبحت واقعا حتميا لا مفر منه، وما هي إلا مسالة وقت ليس إلا.
هز كتفيه، تناول مفاتيح السيارة... وما أن هم أن يخطو باب عتبة بيته، حتى رن جرس الهاتف الأحمر...
تأليف: ذ. عبدالاله ماهل

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق